فخر الدين الرازي
44
مفاتيح الغيب ( التفسير الكبير ) ( تفسير الرازي ) ( ط دار احياء التراث )
لكان ذلك السكون جائز الزوال ، وإنما قلنا : إن ذلك السكون لما كان ممكنا لذاته ، افتقر إلى الفاعل المختار لأنه لما كان ممكنا لذاته ، فلا بد له من مؤثر ، وذلك المؤثر لا يجوز أن يكون موجبا ، لأن ذلك الموجب إن كان واجبا ، وكان غنيا في إيجابه لذلك المعلول عن شرط لزم من دوامه دوام ذلك الأثر ، فكان يجب أن لا يزول للسكون وإن كان واجبا ومفتقرا في إيجابه لذلك المعلول إلى شرط واجب لذاته ، لزم من دوام العلة ودوام الشرط دوام المعلول ، أما إن كان الموجب غير واجب لذاته ، أو كان شرط إيجابه غير واجب لذاته كان الكلام فيه كالكلام في الأول ، فيلزم التسلسل ، وهو محال أو الانتهاء إلى موجب واجب لذاته ، وإلى شرط واجب لذاته ، وحينئذ يعود الإلزام الأول ، فثبت أن ذلك المؤثر لا بد وأن يكون فاعلا مختارا ، فإذا كل سكون ، فهو فعل فاعل مختار ، وكل ما كان كذلك فهو محدث ، لأن المختار إنما يفعل بواسطة القصد ، والقصد إلى تكوين الكائن ، وتحصيل الحاصل محال ، فثبت أن كل سكون فهو محدث ، فثبت أنه يمتنع أن يكون الجسم في الأزل لا متحركا ولا ساكنا ، فهو إذا غير موجود في الأزل ، فهو محدث ، وإذا كان محدثا افتقر في ذاته ، وفي تركيب أجزائه إلى موجد ، وذلك هو اللّه تعالى ، فثبت بالعقل أن باني السماء هو اللّه تعالى . الحجة الثانية : كل ما سوى الواجب فهو ممكن وكل ممكن محدث وكل محدث فله صانع ، إنما قلنا : كل ما سوى الواجب ممكن ، لأنا لو فرضنا موجودين واجبين لذاتيهما لاشتركا في الوجود ولتباينا بالتعيين ، فيكون كل منهما مركبا مما به المشاركة ، ومما به الممايزة ، وكل مركب مفتقر إلى جزئه وجزؤه غيره فكل مركب فهو مفتقر إلى غيره ، وكل مفتقر إلى غيره ممكن لذاته ، فكل واحد من الواجبين بالذات ممكن بالذات هذا خلف ، ثم ينقل الكلام إلى ذينك الجز أين ، فإن كانا واجبين ، كان كل واحد من تلك الأجزاء مركبا ويلزم التسلسل ، وإن لم يكونا واجبين كان المفتقر إليهما أولى بعدم الوجود فثبت أن ما عدا الواجب ممكن وكل ممكن فله مؤثر وكل ما افتقر إلى المؤثر محدث ، لأن الافتقار إلى المؤثر لا يمكن أن يتحقق حال البقاء لاستحالة إيجاد الموجد ، فلا بد وأن يكون إما حال الحدوث أو حال العدم ، وعلى التقديرين فالحدوث لازم فثبت أن ما سوى الواجب محدث وكل محدث فلا بد له من محدث ، فلا بد للسماء من بان . الحجة الثالثة : صريح العقل يشهد بأن جرم السماء لا يمتنع أن يكون أكبر مما هو الآن بمقدار خردلة ، ولا يمتنع أن يكون أصغر بمقدار خردلة ، فاختصاص هذا المقدار بالوقوع دون / الأزيد والأنقص ، لا بد وأن يكون بمخصص ، فثبت أنه لا بد للسماء من بان : فإن قيل لم لا يجوز أن يقال : إنه تعالى خلق شيئا وأعطاه قدرة يتمكن ذلك المخلوق بتلك القدرة من خلق الأجسام فيكون خالق السماء وبانيها هو ذلك الشيء ؟ الجواب : من العلماء من قال : المعلوم بالعقل أنه لا بد للسماء من محدث وأنه لا بد من الانتهاء آخر الأمر إلى قديم والإله قديم واجب الوجود لذاته واحد وهو اللّه سبحانه وتعالى ، فأما نفي الواسطة فإنما يعلم بالسمع فقوله في هذه الآية : بَناها يدل على أن باني السماء هو اللّه لا غيره ، ومنهم من قال بل العقل يدل على بطلانه لأنه لما ثبت أن كل ما عداه محدث ثبت أنه قادر لا موجب ، والذي كان مقدورا له إنما صح كونه مقدورا له بكونه ممكنا ، فإنك لو رفعت الإمكان بقي الوجوب أو الامتناع وهما يحيلان المقدورية ، وإذا كان ما لأجله صح في البعض أن يكون مقدورا للّه وهو الإمكان والإمكان عام في الممكنات وجب أن يحصل في كل الممكنات صحة أن تكون مقدورة للّه تعالى ، وإذا ثبت ذلك ونسبة قدرته إلى الكل على السوية وجب أن يكون قادرا على الكل ، وإذا ثبت